
أم الفضل لُبابة بنت الحارث رضي الله عنها
المرأة التي ضربت الطغيان بعصا
هي أم الفضل لُبابة بنت الحارث بن حَزن الهلالية، أخت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها، وكانت قلبًا حيًّا ينبض بالإيمان منذ أيامه الأولى، وكانت من السابقات إلى الإسلام، حتى قيل: هي أول امرأةٍ أسلمت بعد خديجة رضي الله عنها.
ذكر ذلك أهل السير، ومنهم ابن سعد في الطبقات.
وتُعرف في كتب السير بـ لُبابة الكبرى، تمييزًا لها عن أختٍ لها لأبيها تحمل الاسم نفسه، وهي لُبابة الصغرى.
وقد كانت لُبابة الصغرى زوجة الوليد بن المغيرة، وأمَّ الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه، وبذلك تكون أم الفضل رضي الله عنها خالة خالد بن الوليد، أحد أعظم قادة الإسلام.
وهكذا يجتمع في هذا البيت تاريخٌ عجيب؛ أمٌّ ربّت حبر الأمة عبد الله بن عباس، وخالةٌ لقائدٍ فتح الله على يديه بلادًا عظيمة، ليبقى بيت لُبابة بنت الحارث من البيوت التي اجتمع فيها العلم والجهاد، والقرب من بيت النبوة.
وكانت من المؤمنات في مكة زمن الشدة، يوم كان الإسلام غريبًا، ويوم كان إظهاره مخاطرةً قد تكلّف صاحبها الأذى، فثبتت رضي الله عنها على إيمانها، وصبرت في بيتٍ لم يُعلن فيه الإسلام علنًا بعد.
وقد رصد التاريخ موقفًا عظيمًا لها، على الرغم من أنها كانت يومئذٍ في قلب دار الكفر.
فقد خرجت قريش إلى بدر لقتال رسول الله ﷺ، فلما جاء الخبر بهزيمة قريش، وكان أبو لهب قد تخلّف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، فلما جاء الخبر جلس عند زمزم.
قال أبو رافع: كنتُ غلامًا للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهلَ البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمتُ أنا، وكان العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم، وكان يكتم إسلامه.
قال: فبينا أنا أنحت القداح عند زمزم جالسًا فيها، إذ أقبل أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فجلس إلى زمزم، فقال له أبو لهب: يا ابن أخي، أخبرني كيف كان أمر الناس؟
قال: لا شيء، والله إن كان إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا ويأسروننا كيف شاءوا، وايمُ الله مع ذلك ما لمتُ الناس، لقينا رجالًا بيضًا على خيلٍ بُلقٍ بين السماء والأرض، والله ما تُليق شيئًا ولا يقوم لها شيء.
قال أبو رافع: فرفعت طَنَفَ الحجرة بيدي ثم قلت: تلك والله الملائكة.
قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربةً شديدة، ثم احتملني فضرب بي الأرض، ثم برك عليّ يضربني.
قال: فقامت أم الفضل إلى عمودٍ من عمد الحجرة فأخذته، فضربته ضربةً شجّت رأسه، وقالت: أضعفتَه أن غاب عنه سيده؟
فقام أبو لهب ذليلًا، فما عاش إلا سبع ليالٍ حتى ضربه الله بالعدسة، فقتلته.
أخرجه البخاري في صحيحه.
وكان ذلك موقفًا عجيبًا في مكة يومئذٍ، إذ لم يكن الوقوف في وجه أبي لهب أمرًا هيّنًا، لكنه كان إعلانًا أن الإيمان قد كسر هيبة الطغيان.
وكانت رضي الله عنها ممن شهد بيعة النساء، فدخلت في عهد الإيمان والطاعة مع نساء المدينة.
صحيح البخاري (4891).
ولم يكن حضورها في تاريخ الإسلام موقفًا واحدًا، بل مواقف متتابعة.
فقد رأت يومًا رؤيا عجيبة، فجاءت إلى النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله، إني رأيت في المنام كأن عضوًا من جسدك في بيتي.
فقال ﷺ: «خيرًا رأيتِ، تلد فاطمة غلامًا فتُرضعينه».
فكان الحسين رضي الله عنه، فكانت أم الفضل ممن أرضع سبط رسول الله ﷺ.
رواه أحمد، وصححه الألباني.
وكان لها موقفٌ آخر في بيان السنة، حين اختلف الناس يوم عرفة: هل كان النبي ﷺ صائمًا أم لا؟
فأرسلت إليه بقدحٍ من لبن وهو واقف بعرفة، فشربه أمام الناس، فعلموا أنه مفطر.
أخرجه البخاري ومسلم.
وكانت رضي الله عنها من رواة الحديث، فنقلت للأمة بعض السنن والأحكام، فكانت من النساء اللاتي شاركن في حفظ السنة ونقلها.
وكان بيتها بيتَ علمٍ وبركة، فقد ربّت ابنها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حتى نشأ قريبًا من النبي ﷺ، يدخل عليه ويرى عبادته وهديه، حتى صار لاحقًا من أعلام الأمة، يلقّبه العلماء بحبر الأمة وترجمان القرآن.
كما كانت من بيتٍ عظيم الصلة ببيت النبوة، فأخواتها منهن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، وأسماء بنت عميس رضي الله عنها، وسلمى زوجة حمزة رضي الله عنه، فكان بيتها من أكثر البيوت اتصالًا برسول الله ﷺ.
خصائص امتازت بها:
- من السابقات إلى الإسلام في مكة.
- زوجة العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.
- أم عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، وخالة خالد بن الوليد رضي الله عنهما.
- ضربت أبا لهب دفاعًا عن الإسلام يوم بدر.
- شهدت بيعة النساء.
- أرضعت الحسين بن علي رضي الله عنهما.
- كان لها دور في بيان سنة النبي ﷺ يوم عرفة.
- روت عددًا من أحاديث النبي ﷺ.
- من بيتٍ اجتمعت فيه قرابات عديدة لبيت النبوة.
لم تكن أم الفضل رضي الله عنها مجرد أمٍّ لعالمٍ عظيم، بل كانت امرأةً سبقت كثيرين في نصرة الدين، ووقفت في وجه الطغيان، وثبتت يوم الخوف، وربّت عالمًا، وحفظت سنة، فبقي اسمها شاهدًا على أن الإيمان إذا سكن قلب امرأة، صار بيتها مدرسة، وموقفها تاريخًا، وكلمتها أثرًا يبقى عبر الأجيال.
ابن المبارك