
ما أسرع الأيام حين لا ننتبه لها…
تتسرب من بين أيدينا كما يتسرب الماء من الكفّ،
نُغمض أعيننا لحظة فنُفيق وقد عبرت سنين،
وكل شيءٍ من حولنا تغيّر… إلا دهشتنا من سرعة الرحيل.
كثيرون منّا يُراودهم الشوق لعبور الزمن،
يتمنون أن تمضي الأيام كلمح البرق…
لإنهاء دراسة، أو لقاء من غاب،
أو بلوغ لحظة حلم انتظروه،
أو أن يروا أنفسهم وقد استقرّ بهم الركب بين أسرة وأبناء.
لكننا لا ندرك أن الأيام تمضي فعلًا،
لا لأنها طيّعة… بل لأننا نُعيد تكرارها بلا وعي.
نعيش نفس المشهد… بنفس التفاصيل… بنفس التعبيرات.
تصبح الحياة روتينًا بلا ملامح،
ويتحول اليوم إلى ظلّ باهت ليوم قبله.
أحيانًا، أشعر أنني لم أعد إنسانًا…
بل آلة تُوقَت صباحًا، تنطلق للعمل،
تعود منهكة، تستسلم للنوم بعد العشاء،
ثم تستيقظ لتعيد ذات الدورة من جديد…
وفي منتصف هذا الدوران،
أفتح عيني فجأة:
من هذا في المرآة؟!
كيف كبرتُ هكذا؟
أين ذهب شبابي؟!
أين اللحظات التي كنتُ أعدّ لها الدقائق؟
يا الله… كيف صار الماضي مجرد صفحة مطوية لا أشعر أنها كانت لي؟
ثم يحدث ما يُشبه الصحوة…
أمرّ بتجربةٍ كان يجب أن أعيشها منذ سنين،
لكنها تأتي متأخرة، تتسلل إلى قلبي،
فتوقظ فيه رجفة لم يشعر بها من قبل،
وترتفع همسات النفس اللوامة:
“كان عليك أن تنتبه من قبل،
أن تعيش أكثر، أن تختار أكثر،
أن تجرّب، أن تحلم، أن تسعى”.
لكن النفس المطمئنة، تلك التي ما زالت تؤمن بي،
تضع يدها على كتفي، وتقول بهدوء:
“لا بأس… ما دام في العمر بقية، فهناك متّسع للحياة.”
فتنهض في داخلي رغبة جديدة،
أُريد أن أعيش ما تبقّى بوعي،
بمحبة،
بامتنان لكل لحظة صغيرة.
أُريد أن أخرج من تلك الحلقة المفرغة،
أن أكسر الروتين،
أن ألوّن الأيام الرمادية بأملٍ نقي،
أن أزرع في وقتي ما يستحق أن يُثمر.
لم يعد هدفي أن تمر الأيام بسرعة،
بل أن أمرّ أنا فيها ببطء…
أن ألمس كل لحظة،
أن أعيش كل مشهد،
أن أترك أثرًا صغيرًا في كل صباح.
لقد أدركت أخيرًا أن الوقت لا ينتظر،
وأن الحياة لا تُعاد،
وأن الندم وحده لا يكفي،
لكنّ الأمل حين يُمسك بيدك…
يُعيدك إلى الطريق، ولو كنت في آخره.