
مارية القبطية رضي الله عنها
أمُّ إبراهيم… ودمعةُ الرحمة
لم تكن مارية رضي الله عنها من قريش، ولا من بيوت العرب، بل جاءت من أرض مصر، حين أهداها المقوقس عظيم القبط إلى رسول الله ﷺ مع أختها سيرين، فصارت في بيت النبي ﷺ، فأكرمها وأسكنها في المدينة.
وقد ذكر أهل السِّيَر أن المقوقس بعث بها في السنة السابعة للهجرة مع الصحابي حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، فلما قدمت المدينة أسلمت مارية رضي الله عنها، فأنزلها النبي ﷺ في موضعٍ بالعالية عُرف بعد ذلك بـ مشربة أم إبراهيم.
ووهب النبي ﷺ أختها سيرين للشاعر حسان بن ثابت رضي الله عنه، فولدت له عبد الرحمن بن حسان، ثم رزق الله مارية رضي الله عنها بولدٍ من رسول الله ﷺ.
وكان أول مشهدٍ عظيمٍ في حياتها أنها أنجبت لرسول الله ﷺ ولدًا، بعد أن مات له الأبناء الذكور قبل البعثة، ففرح به فرح الأب الرحيم، وقال:
«وُلِدَ لي الليلة غلام، فسميتُه باسم أبي إبراهيم».
أخرجه مسلم (2315).
فكان إبراهيم الابن الوحيد للنبي ﷺ الذي وُلِد بعد البعثة، فصار اسم مارية مقترنًا بآخر أبناء رسول الله ﷺ.
وكان ﷺ يحمل إبراهيم ويقبّله ويلاعبه، فلما مرض، دخل عليه وهو يجود بنفسه، فأخذه بين يديه، وبكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟
فقال ﷺ:
«يا ابن عوف، إنها رحمة»، ثم قال:
«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».
أخرجه البخاري (1303)، ومسلم (2315).
معنى قولهم «وهو يجود بنفسه» أي:
وهو في لحظات الاحتضار الأخيرة عند خروج الروح.
فكان موت ابنها درسًا خالدًا في معنى الحزن المشروع، والرضا بقضاء الله.
ولما مات إبراهيم، كسفت الشمس، فقال الناس: كسفت لموته، فقام النبي ﷺ يخطب الناس، وقال:
«إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته».
أخرجه البخاري (1043)، ومسلم (915).
وكان لمارية رضي الله عنها صلةٌ خاصة بين بيت النبوة وأرض مصر، فقد صارت أمًّا لولد رسول الله ﷺ، ولهذا أوصى النبي ﷺ بأهل مصر خيرًا فقال:
«إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يُذكر فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمةً ورحمًا».
أخرجه مسلم.
وقد فسّر العلماء الرحم بكون هاجر أم إسماعيل عليه السلام مصرية، كما ذكروا الصهر من جهة مارية القبطية رضي الله عنها أم إبراهيم ابن النبي ﷺ.
وكانت مارية رضي الله عنها ليست من أمهات المؤمنين؛ لأن هذا اللقب خاصٌّ بزوجات النبي ﷺ اللاتي عقد عليهن عقد الزواج، أما هي فكانت أمَةً في ملك يمينه ثم صارت أمَّ ولدٍ له بعد أن أنجبت إبراهيم، ومع ذلك فقد أكرمها النبي ﷺ وأكرمها الصحابة بعده لمكانتها في بيت النبوة.
وقد وقع في شأنها ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول آيات من سورة التحريم حين حرّم النبي ﷺ على نفسه ما أحل الله له إرضاءً لبعض أزواجه، فنزل قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾.
تفسير الطبري (28/109)، ابن كثير (4/391).
وعاشت رضي الله عنها بعد رسول الله ﷺ مكرَّمة بين الصحابة، حتى توفيت في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة ست عشرة للهجرة تقريبًا، فصلى عليها عمر، ودُفنت بالبقيع.
ذكر ذلك ابن سعد في الطبقات (8/212).
خصائص امتازت بها:
- كانت من مصر، ومن غير العرب.
- أهداها المقوقس إلى النبي ﷺ فصارت في بيته.
- أنجبت للنبي ﷺ ابنه إبراهيم.
- كان إبراهيم آخر أبناء النبي ﷺ.
- ارتبط اسمها بأحاديث الرحمة النبوية.
- ليست من أمهات المؤمنين، بل أمُّ ولدٍ للنبي ﷺ.
- عاشت بعد النبي ﷺ مكرَّمة بين الصحابة.
لم تكن مارية رضي الله عنها كثيرة الذكر في الروايات، لكنها كانت أمَّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ، فارتبط اسمها بواحدةٍ من أرقّ مواقف الرحمة في السيرة النبوية، حين بكى النبي ﷺ على ولده وبكى معه قلب الأب الرحيم، مع صبر المؤمن ورضاه بقضاء ربّه، فبقيت قصتها شاهدًا على أن الرحمة كانت خُلُقًا أصيلًا في حياة رسول الله ﷺ.
ابن المبارك