دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

حليمة السعدية رضي الله عنها
أمُّ الرضاعة… وبركةُ البداية

 لم تكن حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث السعدية رضي الله عنها من قريش، بل كانت من بني سعد بن بكر من هوازن، وكانت من نساء البادية اللواتي يأتين إلى مكة يلتمسن رضيعًا يكفلنه ويرضعنه، إذ جرت عادة العرب أن يُرسلوا أبناءهم إلى البادية لينشؤوا في هوائها النقي ويتعلموا فصاحة اللسان وقوة البنية.

 وفي عامٍ أصاب قومها فيه الجدب والقحط، خرجت مع نسوة بني سعد تبحث عن رضيع، وكانت حالها من أشدهن فقرًا، حتى قالت: خرجت على أتانٍ لنا قمراء لا تكاد تسير، ومعنا شارفٌ ما تبضُّ بقطرة لبن.

 ذكر القصة ابن إسحاق، ورواها ابن هشام في السيرة (1/168).

 الأتان: أنثى الحمار.
 قمراء: أي مائلة إلى البياض.
 الشارف: الناقة المسنّة التي ضعف لبنها.
 ما تبضّ: أي لا يخرج منها اللبن إلا القليل جدًا.

 وكان بين الأطفال المعروضين رضيعٌ يتيم الأب، هو محمد ﷺ، فعزفت عنه المرضعات؛ لأنهن كن يرجون من أهل الطفل العطاء، أما اليتيم فلا يُرجى من أمه أو جده كثير مال.

 فلمّا لم تجد حليمة غيره قالت لزوجها الحارث بن عبد العزى: والله لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه، عسى أن يجعل الله لنا فيه بركة.

 فما إن حملته بين يديها حتى بدأت البركة تظهر في بيتها ظهورًا عجيبًا؛ فقد امتلأ ثدياها لبنًا بعد أن كانا لا يدرّان، فشرب الصبي ﷺ حتى روي، وشرب أخوه من الرضاعة حتى شبع، ثم ناما ليلتهما هادئين.

 ثم خرج زوجها إلى الشارف التي ما كانت تعطي لبنًا، فإذا بها ممتلئة ضرعًا، فحلب منها وشربا حتى ارتويا، فقال لها متعجبًا: يا حليمة، والله لقد أخذتِ نسمةً مباركة.

 ثم رجعت إلى بني سعد، فكانت أتانها – التي كانت أبطأ الرواحل – تسبق رواحل القوم، حتى تعجب النسوة وقلن: أهذه أتانك التي خرجتِ عليها معنا؟!

 ولم تقف البركة عند ذلك، بل كانت غنمها تعود من المرعى شباعًا ممتلئة ضرعًا، بينما تعود غنم الناس جائعة هزيلة، حتى قال الرعاة: ارعوا حيث يرعى راعي بنت أبي ذؤيب.

 وكانت مدة الرضاعة المعتادة سنتين، فلما أرادت حليمة أن تعيد الطفل إلى أمه آمنة بنت وهب، كانت قد رأت من بركته ما جعلها تتعلق به، فسألت أمه أن تبقيه معها مدة أطول في البادية، وذكرت أن هواء البادية أصلح للأطفال، فوافقت آمنة، فعاد النبي ﷺ إلى بني سعد ومكث عندها سنوات أخرى.

 وفي بيت حليمة نشأ للنبي ﷺ إخوةٌ من الرضاعة، وهم أبناء حليمة وزوجها الحارث بن عبد العزى السعدي، ومنهم الشيماء بنت الحارث السعدية و عبد الله بن الحارث السعدي و أنيسة بنت الحارث.

 وقد اشتهرت الشيماء رضي الله عنها في كتب السيرة؛ لأنها كانت أكبر من النبي ﷺ، وكانت تحمله وتلاعبه صغيرًا، ثم أدركت الإسلام بعد ذلك فأسلمت، ووقعت أسيرة يوم حنين، فلما عرّفت بنفسها للنبي ﷺ أكرمها وبسط لها رداءه وخيّرها بين البقاء عنده أو الرجوع إلى قومها.

 أما أخوه من الرضاعة عبد الله بن الحارث السعدي فتذكره كتب السيرة في عداد إخوة النبي ﷺ من الرضاعة، غير أن خبر إسلامه لم يرد فيه نصٌّ مشهور كخبر أخته الشيماء.

 وفي أيام إقامته عند بني سعد وقعت حادثة عظيمة، وهي حادثة شق الصدر، كما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال:

 جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة فقال: «هذا حظ الشيطان منك»، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لَأَمَهُ.

 أخرجه مسلم في صحيحه.
 ثم لأمه: أي جمع موضع الشق وأعاد الصدر كما كان حتى التأم.

 فلما رأت حليمة ما حدث فزعت خوفًا عليه، وخشيت أن يصيبه مكروه، فعادت به إلى أمه آمنة بنت وهب في مكة.

 ومع أن أيامه في بني سعد كانت قصيرة في عمر الزمن، إلا أنها كانت عظيمة الأثر؛ ففيها نشأ جسده قويًّا، واكتسب صفاء البادية، وفصاحة اللسان، حتى قال ﷺ:
 «أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر».
 رواه الطبراني، وحسنه الألباني.

 وبقي النبي ﷺ يحفظ لها ذلك المعروف العظيم، فلم ينس فضلها بعد البعثة، فكانت إذا قدمت عليه أكرمها غاية الإكرام، وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه، برًّا بأمٍّ أرضعته في صغره.
 ذكر ذلك ابن سعد في الطبقات (1/113).

 وجاءته يومًا في سنة أصاب قومها فيها القحط، فشكت إليه حالهم، فقام ﷺ إلى بيوته يسأل أزواجه، فلم يجد عندهن شيئًا كثيرًا، فأعطاها ما وجد، وأكرمها وأحسن إليها، فكانت تلك صورة من صور وفائه ﷺ لمن أحسن إليه في صغره.
 ذكره أهل السير.

 وقد وقع خلاف بين أهل العلم في مسألة إسلام حليمة السعدية رضي الله عنها؛ فبعض أهل السير ذكر قصتها وفضلها دون أن يصرح بإسلامها، بينما ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها أدركت الإسلام وأسلمت.
 وقد عدَّها بعض العلماء في الصحابيات، ومنهم الإمام ابن عبد البر في الاستيعاب، وذكرها ابن الجوزي في كتب الصحابة، وغيرهما من أهل العلم الذين رأوا أنها لقيت النبي ﷺ بعد البعثة وآمنت به، فعدّوها في جملة الصحابة.
 ولهذا جرى كثير من أهل العلم على ذكرها بلفظ الترضي، فقالوا: حليمة السعدية رضي الله عنها، لما لها من شرف عظيم في سيرة النبي ﷺ ومكانتها الخاصة في حياته.

خصائص امتازت بها:
– أمُّ النبي ﷺ من الرضاعة.
 - نشأ النبي ﷺ في بيتها في بادية بني سعد.
 - ظهرت البركة في بيتها منذ حملته رضيعًا.
 - مكث النبي ﷺ في رعايتها في طفولته الأولى عدة سنوات.
 - وقع في بيتها حادث شق الصدر.
 - كان لاسترضاعه في بني سعد أثر في فصاحته وقوة لغته.
 - أكرمها النبي ﷺ بعد البعثة وبرّها أعظم البر.
 - نشأ في بيتها خير البشر ﷺ في أول مراحل حياته.

 لم تكن حليمة السعدية رضي الله عنها حاضرةً في مشاهد الغزوات، ولا في ساحات الجدل، لكنها كانت حاضرةً في أول صفحات السيرة.
ففي خيمتها المتواضعة، وبين أغنامها القليلة، نشأ خير البشر ﷺ في طفولته الأولى، وهناك بدأت أولى علامات البركة.
 وكأن الله اختار بيتها الفقير ليكون أول بيتٍ يحتضن نور النبوة خارج مكة، فبقي اسمها مقرونًا ببداية الرحمة، وبالسنوات الأولى التي نشأ فيها رسول الله ﷺ في صفاء البادية ونقائها.

ابن المبارك

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة