دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

كان الناس قديمًا يخشون العدو إذا حمل سلاحًا…

أما اليوم، فقد يأتي العدو حاملًا صورة.

أو خبرًا.

أو فكرة.

أو مقطعًا عابرًا يمر أمام عينك لثوانٍ…

ثم يغيّر قناعاتك على مهل.

وهنا خطورة الإعلام الفاسد المفسد.

إنه لا يقتحم الأبواب غالبًا…

بل تدخل له القلوب طوعًا.

بشاشة.

وهاتف.

وشاشة.

ومتابعة يومية.

ثم يبدأ عمله الخفي.

لا يأمرك بالباطل مباشرة…

بل يجمّله.

وهنا المكر.

يجعل المنكر مألوفًا.

ويجعل القبيح طبيعيًا.

ويجعل الشذوذ حرية.

والتفاهة نجاحًا.

والابتذال تطورًا.

حتى إذا تكرر المشهد…

ألفه القلب.

وهنا يبدأ الانحراف الصامت.

قال الله تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

المشكلة ليست دائمًا في الباطل نفسه…

بل في تزيينه.

وهذا ما يفعله الإعلام الفاسد.

إنه لا يغيّر الواقع أولًا…

بل يغيّر نظرتك إلى الواقع.

وهذا أخطر.

لأن من تغيّرت بصيرته…

صار يدافع عن ما كان يرفضه.

كم فكرة كانت مرفوضة…

ثم كررها الإعلام حتى صارت مقبولة.

كم منكر كان مستهجنًا…

ثم صار “عاديًا”.

كم باطل دخل البيوت باسم الترفيه.

وكم انحدار دخل باسم الثقافة.

وهنا الكارثة.

أن يفسد الشيء…

ثم يُقدَّم لك على أنه إصلاح.

قال بعض الحكماء:
“إذا صار الباطل يُعرض في ثوب الجمال، احتاج الناس إلى بصيرة أكثر من حاجتهم إلى بصر.”

وهذا زمن البصيرة.

لأن المعركة لم تعد على الجسد فقط…

بل على الوعي.

على ما ترى.

وما تسمع.

وما تكرره.

وما تصدقه.

الإعلام يصنع المزاج.

ويؤثر في القيم.

ويعيد تشكيل الأولويات.

قد يجعلك تهتم بالتافه…

وتغفل عن العظيم.

ويشغلك بالسطحي…

عن المصيري.

وهذا نوع إفساد.

يُروى أن عمر بن عبد العزيز قال:
“إذا رأيت الناس قد اشتغلوا بما لا ينفع، فاعلم أن وراء ذلك خللًا.”

واليوم…

كم أوقات تُهدر.

كم عقول تُستنزف.

كم أجيال تُربّى على يد شاشات لا على يد قيم.

وهنا الخطر الحضاري.

ليس فساد فرد…

بل تشكيل جيل.

والمفسد لا يشترط أن يكون كاذبًا دائمًا.

أحيانًا يخلط حقًا بباطل.

وصدقًا بتضليل.

وهذا أخطر.

لأن الباطل الخالص يُكشف…

أما الباطل المغلف بالحق…

فيُفتن به الناس.

ولهذا كان المنافقون أخطر من الكفار على المدينة.

لأنهم يلبسون.

وهذا عين ما يفعله الإعلام الفاسد.

يلبس.

يوجه.

يصنع رواية.

ويعيد تشكيل الإدراك.

لكن…

هل العلاج هجر الإعلام كله؟

ليس بالضرورة.

بل امتلاك الوعي.

أن لا تكون مستقبلًا سلبيًا.

بل ناقدًا بصيرًا.

تسأل:

من يقول؟

ولماذا يقول؟

وماذا يريد أن يزرع في وعيي؟

هذه أسئلة نجاة.

قال تعالى:
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾

كلمة عظيمة.

منهج كامل.

لا تصدق كل ما يقال.

ولا تتبنَّ كل ما يُروَّج.

ولا تجعل الشاشة مرجعًا أعلى من الوحي.

فما وافق الحق فخذ.

وما لوّث قلبك فاترك.

وقد قيل:
“ليس الزاهد من ترك الدنيا، بل من عرف كيف لا تدخل الدنيا إلى قلبه.”

وكذلك الإعلام.

ليس النجاه في كسر الشاشة…

بل في ألا تكسر بصيرتك بها.

احمِ بيتك.

احمِ أبناءك.

احمِ وقتك.

احمِ قلبك.

فليس كل ما يُعرض يُشاهَد.

ولا كل ما ينتشر يُتبع.

ولا كل مشهور قدوة.

واعلم…

أن فساد الوعي قد يسبق فساد السلوك.

فإذا فسد الوعي…

سهل كل شيء بعده.

وهنا يتصل هذا العدو بالأعداء الأربعة كلها:

فالشيطان يوسوس عبره.

وصاحب السوء قد يكون شاشة.

والنفس تُغذّى من خلاله.

والجهل يُصنع به أحيانًا.

فهو عدو مركّب.

لهذا كان الحذر منه ضرورة.

ويبقى السؤال…

إذا كان الإعلام قد يصوغ ما تفكر به دون أن تشعر، فهل أنت من يقود وعيه… أم أن وعيك يُقاد؟

تمت السلسلة

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مدونة عَلى الفِطرَة

حيث نعودُ بالتعليم إلى صفائه الأول، إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها

دفـتر الأيــام

:. أعيش ما أكتب ، و أكتب ما أعيش .:

Culture générale

المعرفة سر النجاح

Saif AL Nuaimi

كاتب . مُحلل مالي . مُدرِب مُعتْمد

"زعترة برية🌱"

هنا تجدونني أبوح ببعض ما جال في خاطري أتقافز بين السطور بحريّة .. هاربة من قيود الواقع ✍

¤الحياة ¤

لايوجد حروف تصف الحياه

About Business Life

Real & practical advises to build and grow your business

نقطة عالحرف

مدونة لـ جنى نصرالله

صفحات صغيرة

أفكار في التقنية، التعليم والتبسيط يكتبها عبدالله المهيري

نجمة.

كفتاه تحارب الحياة وسلاحها القلم ، حياتنا قصه نرويها بأنفسنا ونضع من الذكريات ما نشاء فلنضع فيها ما يسرنا🌟.

حنين حاتم (كلمات مسحورة)

أهلا بكم في عالم الكلمات المسحورة