
…:إن للإيمان — يا صاحبي — لغةً لا تُكتب بالحروف، ولكن تُقرأ في ارتعاش الضمير إذا خلص، وفي دمعة العين إذا خشعت، وفي ذلك السر الخفيّ الذي يُحسّه القلب حين يخلو إلى ربه، كأنما يناجي الأبد في لحظة من الزمن.
وليس الإنسان بجسده هذا الذي يمشي في الأرض، ولكن بما في صدره من نور أو ظلمة، وبما في روحه من قرب أو بعد. فإذا ضعف الإيمان، لم يضعف شيء من أمر الدين وحده، بل اضطرب نظام النفس كله، كما تضطرب النجوم لو اختلّ مدارها.
وإنما آفة الناس أنهم يطلبون سكينة الأرواح من أسباب الأرض، وهي لا تُؤخذ إلا من السماء.
فإذا سألت: بمَ يقوى الإيمان؟
قلتُ: يقوى بما ينقل القلب من صور الأشياء إلى حقائقها، ومن ظاهر الدنيا إلى باطنها، ومن عادة الحياة إلى سرّها.
وهذه الخمسة — القرآن، والذكر، والعمل، والموت، والدعاء — ليست أبوابًا من العبادة فحسب، ولكنها معارجُ ترتقي بها الروح من ترابها إلى معناها.
ما الإيمان إلا ذلك السرّ اللطيف الذي يودعه الله في القلوب، فتشرق به الأرواح كما تشرق الأرض بالغيث بعد جدبها، وتستيقظ به النفوس كما تستيقظ الأزهار بندى الفجر. فإذا ضعف الإيمان، لم يضعف في الإنسان شيء واحد، بل يبهت كل شيء؛ الفكر، والروح، والسكينة، ومعنى الحياة.
وللقلب — يا صاحبي — مواسمُ خصبٍ ومواسمُ قحط، وأيامُ إشراقٍ وأيامُ فتور، وربّ عبدٍ بات مؤمنًا يملأ النور صدره، ثم أصبح تائهاً في زحام الدنيا، يحمل جسده وتمضي روحه بعيدة عنه.
فبأي شيء تُستردّ حياة القلب إذا ذبل؟ وبأي ماءٍ يُسقى إذا جفّ؟
إنما تُردّ الأرواح إلى منابعها الأولى: إلى كلام الله إذا تُدُبِّر، وإلى الذكر إذا صدق، وإلى العمل إذا أُخلص، وإلى الموت إذا استُحضر، وإلى الدعاء إذا خرج من قلبٍ منكسر.
هذه خمسة أبواب، لكنها ليست أبوابًا من أعمال، بل أبوابٌ من حياة.